الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور
138
تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )
الترك : حقيقته مفارقة شيء شيئا كان بقربه ، ويطلق مجازا على جعل الشيء بحالة مخالفة لحالة سابقة تمثيلا لحال إلفائه على حالة ، ثم تغييرها بحال من كان قرب شيء ثم ذهب عنه ، وإنما يكون هذا المجاز مقيدا بحالة كان عليها مفعول ترك ، فيفيد أن ذلك آخر العهد ، وذلك يستتبع أنه يدوم على ذلك الحال الذي تركه عليها بالقرينة . والجملة عطف على الجملة التي قبلها ابتداء من قوله حَتَّى إِذا بَلَغَ بَيْنَ السَّدَّيْنِ ، فهذه الجملة لذكر صنع اللّه تعالى في هذه القصة الثالثة من قصص ذي القرنين إذ ألهمه دفع فساد يأجوج وماجوج ، بمنزلة جملة قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ في القصة الأولى ، وجملة كَذلِكَ وَقَدْ أَحَطْنا بِما لَدَيْهِ خُبْراً فجاء أسلوب حكاية هذه القصص الثلاث على نسق واحد . و يَوْمَئِذٍ هو يوم إتمام بناء السد المستفاد من قوله فَمَا اسْطاعُوا أَنْ يَظْهَرُوهُ الآية . و يَمُوجُ يضطرب تشبيها بموج البحر . وجملة يَمُوجُ حال من بَعْضَهُمْ أو مفعول ثان ل تَرَكْنا على تأويله ب ( جعلنا ) ، أي جعلنا يأجوج وماجوج يومئذ مضطربين بينهم فصار فسادهم قاصرا عليهم ودفع عن غيرهم . والنار تأكل نفسها * إن لم تجد ما تأكله لأنهم إذا لم يجدوا ما اعتادوه من غزو الأمم المجاورة لهم رجع قويهم على ضعيفهم بالاعتداء . وَنُفِخَ فِي الصُّورِ فَجَمَعْناهُمْ جَمْعاً ( 99 ) وَعَرَضْنا جَهَنَّمَ يَوْمَئِذٍ لِلْكافِرِينَ عَرْضاً ( 100 ) الَّذِينَ كانَتْ أَعْيُنُهُمْ فِي غِطاءٍ عَنْ ذِكْرِي وَكانُوا لا يَسْتَطِيعُونَ سَمْعاً ( 101 ) . تخلص من أغراض الاعتبار بما في القصة من إقامة المصالح في الدنيا على أيدي من اختاره اللّه لإقامتها من خاصة أوليائه ، إلى غرض التذكير بالموعظة بأحوال الآخرة ، وهو تخلص يؤذن بتشبيه حال تموجهم بحال تموج الناس في المحشر ، تذكيرا للسامعين بأمر الحشر وتقريبا بحصوله في خيال المشركين . فإن القادر على جمع أمة كاملة وراء هذا السد ، بفعل من يسره لذلك من خلقه ، هو الأقدر على جمع الأمم في الحشر بقدرته ، لأنّ متعلقات القدرة في عالم الآخرة أعجب . وقد تقدّم أن من أهم أغراض هذه السورة إثبات